جمال الدين بن نباتة المصري

287

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

لكلّ واحد منهما أجناسا خمسة ، أربعة منها أبدان ، وخامس هو الرّوح . فأبدان النّور الأربعة : النّار ، والنور ، والرّيح ، والماء ، وروحها الشّبح المتحرّك في [ هذه الأبدان ] « 1 » ، وأبدان « 2 » الظلمة أربعة : الحريق ، والظلام ، والسّموم ، والضباب ، وروحها الدّخان ، وسمّوا أبدان النور ملائكة ، وأبدان الظلمة [ وبعضهم يقول : أبدان النور تتولّد ملائكة وأبدان الظلمة تتولد شياطين ] « 1 » ، وأنّ النّور لا يقدر على الشرّ ، ولا يجوز منه ، والظلمة لا تقدر على الخير ، ولا تجوز منه . قال بعض المتكلّمين : والّذى حملهم على هذا أنّهم رأوا في العالم شرّا « 3 » واختلافا ، فقالوا : لا يكون من أصل واحد شيئان متضادّان ، كما لا يكون في عنصر النّار السّخن « 4 » والبرد . وقد ردّ عليهم بعض العلماء في قولهم : [ إنّ ] « 1 » الصّانع اثنان ، فقال « 5 » : لو كانا اثنين لم يخل من أن يكونا قادرين أو عاجزين ، أو أحدهما قادرا والآخر عاجزا ، [ لا جائز أن يكونا عاجزين ] « 1 » ، لأن العجز يمنع ثبوت الإلهيّة ، ولا يجوز أن يكون أحدهما عاجزا ، فبقى أن يقال : هما قادران ، فيتصوّر أن أحدهما يريد تحريك هذا الجسم في حالة يريد الآخر تسكينه فيها ، ومن المحال وجود ما يريدانه ، فإن تمّ مراد أحدهما ثبت عجز الآخر . وردّ عليهم آخر في قولهم : إنّ النور يفعل الخير ، والظلمة تفعل الشرّ ، بأنه لو هرب مظلوم فاستتر بالظلمة ، فهذا خير وقع من « 6 » شرّ ، ومن هاهنا أخذه المتنبي فقال :

--> ( 1 ) تكملة من ط . ( 2 ) ت : « وفي أبدان » . ( 3 ) ت : « نشرا » . ( 4 ) م : « التسخين » ( 5 ) ت « فقالوا » . ( 6 ) كذا في ت ، م ، وفي ط : « في » .